القائمة الرئيسية
الرئيسية
السيرة الذاتية
مقالات مختلفة
مصطلحات فكرية
روابط مهمة
تحميل كتب المؤلف
رسومات بالرصاص
وشم في ذاكرة طيفية
اتصل بنا
الصورة تتكلم
بقلم بكر السباتين "بين النهضة وخيانة الأقربين"!! قراءة في تجربة ظاهر العمر! ملك الجليل!!ومؤسس أ طباعة ارسال لصديق

رفض المؤلف اعتماد هذه الدراسة في المناهج الإسرائيلية من خلال مركز تكنلوجيا التعليم الذي يديره علرف داخل الخط الأخضر..

*** 

بقلم بكر السباتين 
"
بين النهضة وخيانة الأقربين"!!
قراءة في تجربة ملك الجليل ظاهر العمر! 
ومؤسس أول كيان فلسطينيٍّ نهضويٍّ برؤيةٍ قومية في القرن 18
________________________________________
   ظاهر العمر الزيداني (1669-1775)، حاكم فلسطين في القرن الثامن عشر الذي أحدث نهضة عمرانيّة واقتصاديّة هائلة خلال الفترة التي تولّى فيها الحكم، وتميّز ببنائه لكيان سياسيّ عربيّ شبه مستقل عن الإمبراطورية العثمانية.
ففي السياق التاريخي يعتبر ظاهر العمر أول شخصية تؤسس لكيان عربي طموح في القرن الثامن عشر ضم في خارطته الجيوسياسية، عموم فلسطين.. فيما تمركز هذا الكيان في الجليل الأعلى ممتدّاً إلى غزة.. ضاماً إليه كل من الخليل والقدس ونابلس وبيت لحم.. وامتد إلى صيدا من جهة الجليل.. وعجلون وإربد من جهة طبريا.. سواء كان ذلك بفرض نفسه (ملتزماً) على ضرائب الباب العالي أو بطلب من الأهالي الذين استشعروا بتجربته "المدنية" الناجحة والمزدهرة كل الخير حيث عمَّ الرخاء وسادت الطمأنينة أرجاء البلاد.. وتحققت العدالة الاجتماعية والمساواة إلى أبعد حدود ممكنة، بين الطوائف والمذاهب التي عاشت في كنف هذا الكيان الناشئ رغم أنه ظلَّ في محاولة مستمرة للتخلص من نير العثمانيين الذين استهدفوا تجربته حتى النهاية .

ويمكن تقسيم حياة ظاهر العمر إلى ثلاث مراحل أساسية منذ استلامه زمام الحكم، على النحو التالي: 


المرحلة الأولى:مرحلة التوسع والبحث عن هوية..
وتمتد منذ عام 1730- 1746.. والتي شهدت توسع نطاق حكمه وترسيخ وجوده في أرض الجليل وما حولها، بعد صراعات وتحالفات دامت طويلاً مع بني صقر القاطنين ما بين نابلس والناصرة (حيث كانوا يعتمدون في معيشتهم على السلب والنهب).. وآل شهاب الدين في جبل لبنان، وولاة نابلس من (آل ماضي وطوقان)، والدروز في صفد، وصولاً إلى غزة.. فقد استطاع هذا الزعيم الفذ الحصول على (التزام) كلٍّ من طبريا وعكا وصفد والناصرة وحيفا.. ثم عرضت عليه من قبل الأهالي ولايات كلٍّ من القدس ويافا وغزة والخليل.. ثم فرض ظاهر العمر نفسه (ملتزماً) على نابلس بعد أن قتل زعيمها ماضي باشا.. كما وفرض ولايته على صيدا وبيروت في أواخر مراحل حياته.
وقام ظاهر العمر بتولية أبناءَه على بعض المدن الرئيسة على النحو الآتي: إذْ عيّن ابنه علي (ملتزماً) على صفد ودير حنا ( الجليل الأعلى) ومحيطهما.. وشمل ذلك أجزاءً صغيرة من لبنان..
أما عثمان فعينه ظاهر العمر على الناصرة وأخيراً شفا عمرو.. وأحمد عينه على طبريا ومحيطها من القرى المتشابكة مع الناصرة وصفد إضافة إلى مدينتي عجلون وإربد( جعل عليهما واليين محليين). لكنه أيضاً عيَّن ملتزمين له من غير أبنائه في مدن الجنوب الفلسطيني البعيدة عن مركز سلطته في عكا.
والملتزم هو الذي يقوم بجباية خمس المحصول الزراعي من الأهالي لصالح الباب العالي.. وكان يفرض على ولاته عدم تجاوز القيمة المطلوبة لصالحهم كما كان دارجاً؛ وإلا فعليهم تعويض خسارة المواطنين من جيوبهم الخاصة.. كما فرض على ولاة نابلس دفع قيم البضائع التي كانت تؤخذ عنوة من مسيحيي الناصرة.. 
وهنا ازدهرت زراعة القطن الفلسطيني من النوع المتميز وقد استجلب لأجل ذلك الخبراء المزارعين من قبرص..
وكان ظاهر العمر في هذه المرحلة يحاول ترجمة القيم والأخلاق التي نشا عليها على أرض الواقع ما جذب الناس إليه.. وكان يحاول تثبيت الهوية العربية من خلال الاستقلال في اتخاذ القرار بعيداً عن هيمنة الحكم المركزي في الأستانة.. لذلك كان يتصرف في الحكم وفق معاييره التي تربى عليها فيما أبقى صلته بالعثمانيين على أساس الالتزام بجمع الضرائب للباب العالي.. لكن مخالفاته المستمرة أدت إلى نجاح تجربته التي جمعت تحت لوائها العرب على اختلاف طبقاتهم وطوائفهم دون استثناء.. وفي معايير (قومية) أعطت لتجربته نكهة معبقة بالتنوع والتسامح والعدالة.. ما يجعلها تتلاءم مع مقتضيات العصر في زمن الهيمنة والسقوط.. لذلك نستطيع أن نقول بأن هوية التجربة الظاهرية اتخذت الملامح القومية.. وبقي على استقلالها (لو استطاع إلى ذلك سبيلاً) التحرر من الالتزام بجمع مستحقات الباب العالي المفروض على منطقة حكمه التي حررها بالقوة.. من هنا يمكن فهم تحالفاته مع محمد علي الكبير في مصر واتصاله بالأسطول الروسي على مشارف بيروت كما سنتطرق إلى ذلك لاحقاً في سياق هذا المقال .

 

المرحلة الثانية " مرحلة الازدهار والتسامح الديني في إطار مشروع دولة مدنية تحررت من قيود الاستبداد التركي من عام 1746- 1770..
    فقد أنشأ ظاهر العمر خلال هذه المرحلة الحساسة اقتصاداً مبهراً في جوٍ من الأمان وتوفر البُنى التحتية الملائمة... ناهيك عن عدالة حكمه وإشاعة الأمن بين الناس؛ ما جعل منطقة الجليل (وخاصة عاصمتها عكا) منطقة جاذبة للسكان وبكافة الطوائف وخاصة الكفاءات منها. إذْ كان رفيقاً بالناس على كافة مستوياتهم الاجتماعية.. ضامناً لحقوقهم المدنية والطائفية.. حتى أنه شيد كنيسة القديس "اندرياس" بطلب من الطائفة الأرثوذكسية وعلى حساب وزيره الأول الناصري يوسف القسيس.. ثم أقام المسجد المعلق الذي سمي باسمه حيث شيد إلى جواره قصره الخاص، بعد أن انتقل إليه من (عرابة البطوف).. .. وأقام علاقات اقتصادية مزدهرة مع فرنسا من خلال مكاتب تجارية أقامها الفرنسيون. فكان يوجد منها في عكا( 17 مكتباً) وحيفا( 20 مكتباً) والرملة (4 مكاتب). وكانت هذه المكاتب تيسر على ظاهر العمر تنظيم تجارة القطن الفلسطيني (الذي كان يزرع في سهلي مرج ابن عامر والبطاف)؛ مع أوروبا من خلال الوسطاء الفرنسيين في القرن الثامن عشر .. وكانت مهمة تحديد الأسعار الأولية لهذه المادة خاضعة للتجار الفرنسيين لكن ظاهر العمر سحب البساط من تحت أقدامهم بعد إنشائه ميناء عكا الشهير. 
واهتم ظاهر العمر ابن قرية عرابة النطوف بالتنمية الشاملة باقتدار قل نظيره في مثل ظروفه التي كانت خاضعة لجبروت أكبر دولة في زمانه ( العثمانية).. ورغم ذلك حقق نهضة عمرانية واقتصادية مدهشتين.. وقد شملت رصف الطرق وإقامة المباني العامة والترفيهية وتنظيم الأسواق وتوفير البُنى التحتية في المدن التي استولى عليها.. كي يجذب إليها الناس في سبيل بناء قاعدة شعبية تلائم تطلعاته على صعيد الموارد البشرية اللازمة لمشروعه النهضوي.. كذلك من أجل أن يُعترف به كملتزم رسمي (من قبل الباب العالي) صاحب سطوة محلية قادر على حماية مصالح الدولة المركزية.. رغم أنه قام بذلك خلافاً لإرادتها( ثورة مقنعة) بذريعة أن ما يهم الدولة العثمانية من الولاة فقط، هو قدرتهم على تحصيل أكبر نسبة ممكنة من الأموال لصالح خزينة الدولة المركزية في الأستانة (حتى لو تم الأمر بممارسة سياسة الاستبداد على الأهالي ).. وكأنه بذلك يدرج العثمانيين في قائمة المستغل وليس صاحب الرعية.. وكان يتصرف على أساس أنه عربي صاحب الحق بالولاية على "شعبه" متخذاً الجليل وعموم فلسطين وبعض الأطراف المجاورة نموذجاً وقاعدة انطلاق.. من هنا أقام ظاهر العمر مدناً جديدة على أنقاض القديمة منها أو طور بعضها وحصنها .. وقد أشاع الأمان والاستقرار المنشود في البلاد التي احتلها حيث وطد علاقته مع المواطنين، وصنع من نفسه القدوة الحسنة في التسامح الطبقي والطائفي ( وهو ما نفتقر إليه في أيامنا هذه).. فساد الوئام القائم على "الحقوق المدنية" كلَّ أرجاء البلاد التي بسطها تحت سيطرته.. بعيداً عن الطائفية والقبلية.. وهي محاولة شجاعة منه لإقامة نواة نظام إداري يتحكم من خلاله بالبلد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بعيداً عن الرؤية العثمانية التي انحصرت بجباية مستحقاتها من الولايات دون التحقق من الوسائل التي شابها الظلم والقهر والاستبداد.. فقد كانت تجاوزات الولاة لا تطاق.. فتحولوا إلى مستبدين ولصوص فأخذوا يستغلون جباية مستحقات الدولة العثمانية لمصالحهم؛ فيتجاوزون قيمة الخمس المقررة من ناتج المحصول إلى الربع في المواسم المزدهرة (وهو ما خالفه ظاهر العمر مما زاد ثقة الناس به) لا بل عمد إلى منح القروض للمزارعين كي يزرعوا الأرض ومن ثم يسددون المبالغ المستحقة من إيراد المحصول آخر الموسم( وكأنها اعتمادات بنكية وقروض حسنة).
ومن أهم الشواهد على هذه المرحلة التنموية، قيامه ببناء أسوار عكا التى جلب إليها الحجارة من "ركام بعض الآثار الرومانية!!" ومن قيسارية الساحلية وقد أقام أساساتها متقدماً عن أساسات أسوار عكا الرومانية المندثرة (وهي الشاهد المتبقي عليها)، وتنظيم شوارعها، وإقامة بُناها التحتية، والمرافق الخدمية والسياحية العامة مثل: الكنائس (كتدرائية سانت أندرياس)، والمعابد اليهودية، والمساجد (المسجد المعلق)، والمدارس.. والخانات (العمدان، الشونة، الفرنجة، وغيرها).. والأسواق الكبيرة (السوق الأبيض) . ثم بادر إلى بناء مدن أخرى مثل: مدينة حيفا الجديدة المعروفة الآن وحصّنها، ثم مدينة شفا عمر حيث أقام فيها قلعة هائلة، ومدينة طبريا التي طوقها بالأسوار البازلتية، ومدينة صفد حيث أقام فيها قلعته الشهيرة، ومدينة الناصرة التي نظمها وأقام فيها البنيات التحتية إضافة للمرافق العامة..
ثم قام ببناء جيش منيع سلحه بما كان متاحاً آنذاك من تقنيات.. وشمل ذلك المدافع والبنادق إضافة للسيوف التي جهز بها سلاح الفرسان.. وقد ضم هذا الجيش إلى صفوفه ما بين 60- 70 ألف جندياً.. وعهد به للقائد المغربي الدنكزلي ( الذي خانه أخيراً بتحريض من ابنه عثمان الظاهر وبالتنسيق مع بعض إخوته).. وقد استطاع الظاهر عمر بهذا الجيش التصدي لحملة سليمان باشا والي دمشق وهزيمته؛ لامتلاكه جهاز استخبارات عسكري مكنه من تحديد قوة خصمه.. مستعيناً بيهود دمشق؛ لعلاقتهم المتميزة بيهود عكا(طبعاً لم تكن هناك حينئذٍ صهيونية تستهدف فلسطين).. وأدَّب ظاهر العمر به ولاة صيدا وغزة ونابلس.. 
ومن باب التسامح الديني ومبدأ "التكنوقراط" القائم على الكفاءة فقد عهد ظاهر العمر بوزارته الأولى ليوسف القسيس وهو من مسيحيي الناصرة.. خلفه على ذلك إبراهيم الصباغ بوصاية منه (من نفس دينه) وقد أثبتا لظاهر، وفاءً وكفاءةً قل نظيرهما.. وخاصة الأخير الذي أثبت له الولاء حتى في أحلك ظروفه، حينما سدَّد من ماله الخاص ما ترتب على البلاد من مستحقات مالية للباب العالي إنقاذاً له. وكان دائما يحذره من قائد جيشه، الزركنلي وأبنائه، وخاصة ذلك المتمرد دائماً،عثمان.. مقدماً الصباغ في ذلك الإخلاص لسيده حتى آخر حياته.. وهو ما افتقر إليه ظاهر عند بعض أبنائه وأشقائه.


المرحلة الثالثة" ترهل الدولة وسقوط ظاهر العمر(1770-1775.(
    فبعد أن توسعت دولة ظاهر العمر؛ ازدادت النفقات العامة من خزينة الدولة.. الأمر الذي مكن المتربصين به من القضاء عليه.. وذلك بتأليب من الدولة العثمانية المركزية في الباب العالي التي حرضت عليه خصومه التقليديين (بعد أن صاروا من رعيته) كولاة نابلس بني صقر والدروز وأبنائه.

وذلك للأسباب التالية:


أ-تحالف ظاهر العمر مع الأسطول الروسي ضد العثمانيين.
تكالبت على ظاهر العمر مؤامرات الدروز في جبل لبنان (بتحريض من عثمان ظاهر الذي كاد أن يتزوج من بناتهم لولا رفض أبيه) لأنه لم يكن يأمن جانبهم.. وكان يرى في مصاهرتهم مدخلاً إلى اختراق حصونه المادية والمعنوية في ظروف الشدة.. فعزم على تطويقهم ورد كيدهم إلى نحورهم.. وقد وجد ضالته في احتلال بيروت التي كانوا يرتبطون بها لوجستياً بعد أن استولى ظاهر العمر على صيدا.. وكانت الظروف مواتية لذلك لانشغال العثمانيين آنذاك في حربهم الضروس مع روسيا القيصرية حول البلقان.. واستغل ظاهر العمر هذه الفرصة السانحة لضرب الخاصرة العثمانية من أجل إضعاف خصومه العثمانيين الذين كانوا يتربصون به من جهة (وهو تصميم على الاستقلال وفق الرؤية القومية بعد اكتمال مشروع كيانه في الجليل وعموم فلسطين).. ثم قَطْعِ الإمدادات عن جبل الدروز توطئة لضرب الدروز في عقر دارهم درءاً للخطر القادم من لدنهم من جهة أخرى.. فاقترح عليه وزيره إبراهيم الصباغ بأن يرسل إلى قائد الأسطول الروسي في البحر المتوسط موفوداً يمثله رسمياً (قريبه الأب سمعان الصباغ)؛ كي يحرضهم على محاصرة بيروت.. وقد التقت المصالح الروسية مع تطلعات ظاهر العمر في ذلك.. والذي تمكن من السيطرة على بيروت بدعم روسي.. لكنه انسحب أخيراً منها بعدما استوفى غرضه من هذه العملية بتسوية حساباته السياسية مع الدروز.. وهذا يعني في العرف العثماني خيانة عظمى.. فلزم أمرهم القضاء على ظاهر العمر ودثر كيانه في فلسطين بعد أن سويت الخلافات التركية الروسية بموجب اتفاق تاريخي بتوقيع معاهدة كيتشوك كاينارجي في بلغاريا عام 1774 في عهد السلطان عبد الحميد الأول..

 

ب – تحالفه مع محمد على باشا الكبير والي مصر لاحتلال دمشق.
تحالف ظاهر العمر مع محمد علي باشا الكبير والي مصر .. من أجل احتلال دمشق بقيادة محمد بك أبو الذهب.. والذي ما أن تمَّمَ مراده حتى انسحب منها بغتة في ظروف غامضة.. وذلك بالتنسيق مع الباب العالي الذي وكله بمهمة إسقاط محمد علي الكبير إزاء وعود رسمية بتسليمه التزام مصر.. ثم وعد أبو الذهب الباب العالي بالقضاء على ظاهر العمر نفسه ما زادهم ثقة به.. وقد أوشك (أخيرا)ً أبو الذهب أن ينفذ أجندته بعدما تولى التزام مصر الموعودة رسمياً؛ لولا أن أصابه المرض على مشارف حصون عكا.. فيما كان جنوده يقتحمون أسوار عكا وينكلون بأهلها كما فعلوا بيافا من قبل.. فلم يجدوا خزائن ظاهر العمر الذي هرب بها مع وزيره الصباغ محتمياً بحلفائه (المولاة) الشيعة جنوب لبنان.. وبسبب المرض توفي أبو الذهب.. فيما عاد ظاهر العمر أدراجه إلى عكا.. وفكر في الكيفية التي يسترضي بها الباب العالي من جديد!! وكان يدرك بأن المطلوب هو سداد مستحقات الدولة المركزية التي تراكمت لديه.. وتمكن من ذلك بدعم من وزيره المخلص الصباغ كي يرضى عنه الباب العالي من جديد! ورغم ذلك أرسل إليه السلطان أسطولاً بحرياً بقيادة حسن باشا للقضاء عليه بعد أن قتل رسول ظاهر كبادرة سيئة..

 

ج- خيانة قائد جيشه وتمرد أبنائه..
في تلك الفترة أخذت تظهر بوادر الانشقاق بين أبناء ظاهر ووالدهم. في عام 1761 جرّد والي الشام عثمان باشا حملة على ظاهر، فاستولى على قلعة طرطورة (جنوب شرق حيفا) لكن ظاهر استعادها بعد قليل، وفي نفس العام استولى عثمان باشا على حيفا، ثم استعادها ظاهر في العام التالي. وكان ظاهر قد بدأ بعد نقل مركزه إلى عكا عام 1746 بتعيين أبنائه حكاماً من قِبَله، فأعطى طبريا لابنه الأكبر صليبي، وأعطى صفد لعلي، وشفا عمرو لعثمان، وصفوريه لسعيد، وجبل عجلون لأحمد. وطمعاً بزيادة نفوذهم ثار أبناء ظاهر على والدهم عام 1751 ولكن ثورتهم انتهت بالمصالحة، ثم ثاروا ثانية عام 1761 وانتهت هذه الثورة بالمصالحة أيضاً، ثم ثار علي لوحده على أبيه عام 1762 فأرضاه أبوه بمد نفوذه على قرى بين صفد وطبريا، ثم ثار عثمان ظاهر العمر عام 1765 فقبض عليه والده وسجنه ستة أشهر، ثم هرب عثمان إلى المَتاولة وحرضهم على والده وهاجم بهم قوات ظاهر لمدة عام كامل، وفي عام 1767 تمرد علي وسعيد على والدهما ولكنهما اضطرا إلى التصالح معه خوفا من ضياع نفوذهم بأكمله أمام الهجمات المتصاعدة للأتراك والمماليك من الجنوب كان لعثمان ظاهر العمر دوره الأكبر في التآمر على أبيه خلال عدة مراحل تاريخية.. فقد كانت حياته مع والده متشنجة.. فسياسة ظاهر كانت تغلق الأبواب في طريق أطماع أبنائه في السلطة والجاه والمال.. فهو يحاسبهم إذا زلوا أو طمعوا بمغنم ما.. ناهيك عن الأحقاد المتراكمة في قلوبهم مع عمِّهم سعد العمر بسبب ثقة والدهم ظاهر الزائدة بوزيره إبراهيم الصباغ.. وقائد جيشه المغربي (الدنكزلي).. فيما يعود السبب المباشر في انقلاب عثمان على أبيه؛ إلى منع الأخير له من استلام التزام شفا عمر (المغري مادياً).. وقد اتخذ ظاهر هذا الموقف الصادم لابنه عثمان نزولاً عند رغبة أهلها في ذلك لما يطغى على شخصية عثمان من رعونة وتسيب وفساد.. وخاصة أن والده كاد يقتله ذات يوم على خلفية محاولة عثمان المشينة في مراودة مرضعة أبنائه المسيحية عن نفسها.. من هنا استغل عمه سعد الحاقد على أخيه ظاهر.. وحرض ابن أخيه عثمان كي يحسم الأمر مع ظاهر بالقتل.. لكن الخيبة كانت تطرق أبوابهما حينما أشرك سعد ابن أخيه المقرب إلى ظاهر المدعو محمد علي.. والذي خيب ظنهما حينما أفشى الأخير بسرهما الرهيب لعمه ظاهر بعد أن عرض عليه اتفاقاً مكتوباً بينه وبين عمه سعد يقضي بتنصيبه مكان عمه ظاهر إذا ما تولى عملية قتله.. ورداً على هذه المؤامرة استجاب ظاهر لخطة ابن أخيه المخلص، بأن رتب بالحيلة أمراً يقضي بتسلم عثمان التزام (شفا عمر) مقابل أن يخلصه الأخير من عمه سعد! وتم ذلك بسهولة حينما حل عثمان ضيفاً على عمه سعد.. وبينما هما نائمان تمكن عثمان من وضع السم لعمه فقتله.. حتى أشيع بين الناس آنذاك بأن الضحية لدغتها أفعى قاتلة.. من هنا انفتحت شهية عثمان على القتل لتحقيق مآربه عنوة (فالذي يقتل لأول مرة فلا ريب من إعادته الكرة من جديد لأجل تلبية طموحاته).. لذلك قام الابن العاق بتحريض قائد الجيش، الدنكزلي؛ لكي يقضي على سيده الذي عاش طويلاً في كنفه كأحد أولاده وكان من السهل عليه أن يستجيب ما دام المحرض هو الابن بذاته.. وقد أدخل في حساباته أيضا احتمالية أن يرضي بفعلته هذه الدولة المركزية.. وكان من السهل عليه الظفر بهدفه المنشود لاعتمار الثقة بينه وبين سيده ظاهر.. خلافاً لنصائح الوزير الصباغ الذي أبدى للأخير ارتيابه بالزركنلي.. ولكن القدر كان يرسم للتداعيات مسارها المأساوي.. إذْ اتصل الزركنلي بقائد الأسطول التركي حسن باشا المرابط في البحر خلف أسوار عكا، مبدياً استعداده للقضاء على ظاهر، خصم الباب العالي اللدود.. لا بل أنه توعده بقطع الرأس.. وفعل ذلك بوشاية من الابن العاق الخائن عثمان.. والذي أخذ على عاتقه ترتيب النتائج لصالحه وفق رؤيته الضيقة.. إذْ حرض كل إخوته على أبيهم المفجوع بهم.. ولا ننسى بأن عثمان كان مصراً على إسقاط والده منذ كان منفياً عند علي باشا الكبير في مصر.. فنتذكر كيف أنه ساعد الأخير بالهرب إلى عكا عام 1772 ليتزود بقوات تمكنه من إعادة السيطرة على مصر.. لكنه قتل أخيراً على يد محمد أبو الذهب والذي حظي سراً بمعلومات خطيرة قدمها له عثمان ظاهر العمر ساعدته حينذاك على احتلال عكا عام 1775 .. فبينما كان أبو الذهب قادماً إلى عكا على رأس جيش عرمرم .. وجد في طريقه مدينة يافا فشدد عليها الحصار.. وفتحت أسوارها بالتآمر بين جنوده المغاربة وحراس المدينة من ذات الأصول.. بذريعة أن الباب العالي سيعفو عن كل من يلتحق بجيش أبو الذهب.. وهي ذات الرسالة التي استخدمها عثمان ظاهر حينما أرسل أبناء عمومته: ياسين، وأحمد، إلى المرابطين من قوات أخيه علي ظاهر في قيساريا؛ لمنعهم من إتمام خطة أبيهما بإنقاذ يافا من براثن أبو الذهب.. ومن ثم قطع الطريق عليه.. ما جعل هزيمة والده محسومة النتائج.. أما خاتمة المطاف بالنسبة لظاهر العمر؛ فقد كانت حينما باغته الدنكزلي بينما كان عائداً للبحث عن زوجته التي تخلفت عن ركبه الهارب.. فوجدها تترنح في الخلاء من التعب في شهر 26 من آب عام 1775.. فاستوقفها واهناً وقد تجاوز عمرة الثمانين كي يضمها لركبه.. لكن القدر كان له بالمرصاد..فهذا ولده بالتبني يسدد إليه فوهة بندقيته.. فماذا يفعل ظاهر العمر إزاء جاحد يتربص به سوى ذرف الدموع السخية..والاستسلام لقدره.. إنه الخائن الدنكزلي الذي لا يتمتع بأخلاقيات الفرسان!! حين أطلق على سيده ظاهر العمر (الشيخ الواهن) رصاصة قاتلة من بندقيته..فكشر عن أنيابه!! كأنه يناجز نسراً مجروح الفؤاد.. مهيض الجناحين.. لا حول ولا قوة له.. وبعد ذلك.. يتقدم هذا العاق من الضحية ويقطع رأسها ليقدمه دليلاً إلى قائد الأسطول العثماني حسن باشا على نجاح المهمة القذرة.. ويقال (غير مثبت) بأن حسن باشا أمر بإلقاء الزركنلي في البحر من باب عدم الثقة به.. وخاصة أنه غدر بسيده الذي رعاه لأكثر من أربعين سنة.. أما أبناء ظاهر العمر فقد أعدمهم أحمد باشا الجزار.. فيما توزع أحفاد ظاهر العمر في عدة أماكن مجهولة في فلسطين ولبنان وسوريا وشمال الأردن بعد أن نكل بهم.. وغيروا من أسماء عائلاتهم الحقيقية.. هذا ما جرى بحق كبير الزيادنة وملك الجليل وعموم فلسطين ظاهر العمر.. الملك العادل .. صاحب أول تجربة قومية نهضوية في زمن الاستبداد العثماني!! والذي شيد أهم مدن فلسطين في الساحل والعمق.. وكانت عكا حاضرة ذلك الزمن الأجمل في التاريخ العربي المعاصر.. لكن الخيانات تكالبت عليه.. فما أشبه زمانه بحاضرنا المزري.. والذي يحفل هو الآخر بالخيانات المُقَوِضَةُ لأيِّ مشروع عربيٍّ نهضويّ.. لكن في زمن ظاهر العمر كانت فلسطين سيدة الموقف.. أما الآن.. فالجليل.. وعموم فلسطين.. باتت مداساً للغزاة وأعوانهم..والخيول ملجمة.. والصغار فتحوا الأبواب للغزاة الصهاينة!!
"
ستبكي دماً يا ظاهر العمر لو أعادتك الأقدار إلينا.. فما زالت الخيانات تعشش بيننا"..

المراجع
1-
الرشيد، جودت كامل: كتاب الشيخ : (ظاهر العمر ) ثائر فلسطين على الدولة العثمانية
حاكم فلسطين منتصف القرن الثامن عشر).. يمكن تحميله من الرابط:
http://www.slideshare.net/waleedkhalaf/ss-27643271
2-
حتي- فيب: (تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين) جزءان/ مؤسسة فرانكلين/ بيروت- لبنان.
3-
عبود، أسعد: تاريخ الناصرة/ القاهرة- 1923
4-
عمر، عبد العزيز: دراسات في تاريخ العرب الحديث/ دار النهضة، بيروت.
5-
فولستي: ثلاثة أعوام في مصر وبر الشام/ ترجمة إدوارد البستاني/ منشورات دار المكشوف/ ط2/ 1949
6- *
أحفاد ظاهر العمر الذين يعودون بأصولهم إلى فلسطين موطن مؤسس كيانها الأول:

7-
الموسوعة الحرة
الرابط: http://ar.wikipedia.org/…/%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1_%D8%A7%D…
8-
المحاضرة رقم 4: فلسطين في العهد العثماني - ظاهر العمر الزيداني حاكم الجليل 
الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=V_UcLGrba_E
9-
فيلم ظاهر العمر الزيداني إخراج رامز قزموز
الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=TXIFjrP8fIc
لقاء مع المخرج، الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=RQ5YPUxCZHc
10-
نصر الله، إبراهيم: رواية قناديل ملك الجليل/ الدار العربية للعلوم/ عين التينة- شارع المفتي توفيق خالد- بيروت لبنان- 2012
يمكن تحميل الرواية من الرابط التالي:
http://www.alkutubcafe.net/onlineread.html?rid=9
11-
مركز السبيل الناصرة - ندوة عن ظاهر العمر الجزء 1 من 11
الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=dmr64KXtaxo
12-
كناعنة،د. مصلح/ تاريخ الأمير ظاهر العمر الذي يرتبط اسمه بقرية عرابة..
موقع هوية، الرابط:
http://www.howiyya.com/Portal/Article.aspx?id=2129
13-
منصور،حسين/ حامي الناصرة
الرابط: http://www.mona.ws/c/content/view/156/34/
14-
الملاحي، علي فلاح/ مصرع أمير الصقر إرشيد الجبر عام 1760
مدونة الملاحي، الرابط: 
http://alialmallahi.blogspot.com/2013/10/1760.html

 

 

 
البحث
قراءة البريد الوارد
البريد الإلكتروني
كلمة المرور
شارك بالاستفتاء
ما رأيك بدولة ثنائية القومية
 
احصائيات سريعة
الأعضاء: 1
الأخبار: 952
المواقع الخارجية: 19
الزوار: 389597
جميع الحقوق محفوظة © للكاتب بكر السباتين

بدعم من جوردان وب ماستر